نوفمبر 29, 2022
منبر البترا
دراسات

الواقع الحقيقي للعلاقة بين مخرجات التعليم العالي وسوق العمل في الدول العربية

منبر البترا -بقلم:أ.د.حربي عريقات                                     

يعتمد سوق العمل في أي دولة أساساً على رأس المال البشري، لأنه بدون الجهد الحقيقي لرأس المال البشري لا يمكن تحقيق زيادة في قيمة الناتج القومي النهائي للقطاعات المختلفة، المكونة للاقتصاد الوطني في كل دولة من الدول المتقدمة الصناعية ، والدول النامية في العالم.

فالتعليم المخطط تخطيطاً علمياً وملائماً ومناسباً في كل دولة ، بأشكاله المختلفة ، استثمار مهم وضروري، ولا يقل أهمية عن الإستثمار في الموارد الإقتصادية الأخرى ، فقد لوحظ من خلال مؤشرات البنك الدولي واليونسكو أن هناك عدم قدرة للتعليم العالي  المتبع في الدول العربية على تقديم مخرجات تتواءم وحاجة المجتمع والسوق المحلي، فهذا أحد الأسباب الرئيسية في تزايد معدل البطالة في كثير من الدول العربية، وحتى الدول النامية. ولا شك في أن للبطالة تداعيات  سلبية كثيرة على الاقتصاد الوطني وأفراد المجتمع كافة ،  فالملاحظ أن هناك زيادة أعداد الخريجين من مخرجات التعليم العالي دون فرص عمل، بالتزامن مع الزيادة في معدل النمو السكاني في عدد كبير من الدول العربية والدول الأخرى، وخاصة الدول النامية، سوف يؤدي إلى مشاكل كثيرة، منها زيادة الفقر والبطالة،وأثارهما السلبية الاجتماعية والاقتصادية، كما أن هناك زيادة مرتفعة في أعداد الملتحقين بالجامعات الرسمية والخاصة في الدول العربية باستمرار، سنة بعد أخرى دون تخطيط حقيقي لحاجات السوق المحلية . فالبطالة تتفاقم سنة بعد أخرى في أغلب الدول العربية، وتتحمل مختلف القطاعات التعليمية جزءاً كبيراً من مسؤولية توفير رأس مال بشري، تتمثل بإنتاجية القوى العاملة ، فهي المؤسسات المهمة والمسؤولة عن تنمية هذه الموارد البشرية وتدريبها لتتواءم مع احتياجات سوق العمل الحقيقية المتغيرة سنوياً، ومتطلباته المتعدده، من أجل تعزيز قطاعات التعليم المختلفة، وتعظيم مخرجاته، من خلال تطبيق الجودة الشاملة في الجامعات الرسمية والخاصة جميعها في الدول العربية، وذلك كحل أمثل لمشاكل عديدة، تواجه الآن جميع الدول العربية . فكلما تطور رأس المال المعرفي البشري ،كلما أدى إلى تحسين في مستوى الإقتصاد الوطني، مما يدفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية ، والنمو الاقتصادي المستمر، بفضل ارتفاع مستوى التعليم بفروعه المختلفة ، الذي يجب أن يتناسب طردياً مع حاجات سوق العمل في كل دولة عربية، وحتى في الدول الأخرى النامية والمتقدمة صناعياً. وتقوية الروابط بين التعليم العالي وسوق العمل هي إحدى المشكلات الرئيسية ، خاصة في المنطقة العربية ، حيث يلاحظ الانفصال بوضوح بين الجانبين، لأن إشكالية العلاقة بين التعليم العالي وسوق العمل، تتمثل في قدرة مؤسسات الإنتاج على استيعاب المستحدثات التكنولوجيه بشكل أكبر وأسرع من مؤسسات التعليم العالي ، لكون المؤسسات الأخيرة تتميز بنوع من النزعة الكلاسيكية المحافظة، التي قد تكون من الأسباب الرئيسية في بطء عمليات التغيير والتطوير، التي تحدث في تشكيل سياسات التعليم العالي، وأهدافه، وبرامجه.

ويشار إلى أن السياسات المطبقة في الجامعات الرسمية والخاصة في الدول العربية يغلب عليها التوجه إلى التخصصات النظرية، مما يمثل جانباً من عدم المواءمة بين مخرجات التعليم العالي ومتطلبات سوق العمل،  كما تركز هذه السياسات لدى الجامعات على تقديم الخدمات للطلبة النظاميين ، مما يحد من دور الجامعات في تقديم خدمات التعليم المستمر، وإعادة تأهيل للقوى العاملة . وتبرز جميع الدراسات حول هذا الموضوع أن بنى وهياكل التعليم العالي العربي التقليدية، لا تتجاوب مع البنى المتعددة للقوى العاملة وهيكلها للاستجابة للتطورات والمستجدات في عالم الإنتاج والخدمات المتطور باستمرار، والسبب الرئيسي يعود إلى سوء التخطيط للقوى العاملة للقطاعات المختلفة، وحسب التخصصات المطلوبة لتلك القطاعات في الاقتصاد الوطني لأي دولة نامية، أو حتى دولة متقدمة.نعم إن الإنسان هو عماد التنمية وحجر الأساس في البناء الإقتصادي، والإجتماعي، والحضاري للأمم، والإهتمام بالعنصر البشري في جميع دول العالم، من حيث تربيته، وتعليمه، وتدريبه، وتنميته برفع قدراته وكفاياته، هو أساس التطور والرقي والتقدم، ويختلف ذلك من دولة إلى أخرى. ويتباين ذلك تبعاً لظروف كل دولة ومعطياتها. إن مواكبة العلم والتقدم التقني والإبداع في المجالات المختلفة، يشترط أن يستهدف العلم في المجتمع تنمية قدرات الإنسان على البذل والعطاء لزيادة الإنتاج، وتنويع مصادره ، ورفع كفاءته، وترشيد استخدام موارده في سبيل رفاه الفرد والمجتمع، شريطة تلبية حاجاته ورغباته الأساسية،لتحقيق الأهداف المرغوبة، ولحل مشاكل عديدة بواجهها الاقتصاد الوطني ولا شك في أن شرط جودة النظام التعليمي الجامعي بأن تكون المخرجات متفقة، وضرورية، ومناسبة لأهداف النظام التعليمي، من حيث احتياجات المجتمع ككل في تطوره ونموه. فالمطلوب الكفاءة” Efficiency” والفعالية ” Effectiveness “

إن النظام التعليمي الجامعي في كل دولة عربية للحصول على مخرجات قوية، حسب احتياجات سوق العمل في تلك الدول، السؤال هل هناك تخطيط حقيقي لنظام التعليم وسوق العمل أم لا ؟ فهناك أيضاً سؤال مهم آخر؟ كيف يمكن تحقيق الروابط الحقيقية والقوية بين التعليم العالي وسوق العمل؟ فالجواب واضح ومعروف من خلال  تطبيق الجودة الشاملة، وهذا هو الحل الأمثل من قبل الدول العربية، على أن تتوافر جميع عناصر العملية  التعليمية بالجامعة في كل الدول العربية، سواء منها ما يتعلق بالمدخلات والمخرجات، التي يجب أن تلبي احتياجات المجتمع الضرورية ومتطلباته ، ورغبات المتعلمين وحاجاتهم ، وتتحقق من خلال الاستخدام الفعال لجميع العناصر البشرية والمادية بالجامعة الرسمية والخاصة في كل دولة عربية.

السؤال : ما المطلوب لتحقيق الروابط الحقيقية بين التعليم العالي وسوق العمل؟ وكيف يمكن تحقيق ذلك من خلال جني الفوائد في تطبيق الجودة الشاملة في جميع الجامعات الرسمية والخاصة في الدول العربية؟ لعل الإجابة عن تساؤلنا ، يتمثل في الآتي :

  • دراسة متطلبات المجتمع واحتياجات الطلبة ، والوفاء بتلك الاحتياجات في سوق العمل، حسب التخصصات المطلوبة في سوق العمل.
  • أداء الأعمال بشكل صحيح، وفي أقل وقت، وبأقل جهد، وأقل تكلفة، في التركيز على النوعية.
  • تنمية العديد من القيم، التي تتعلق بالعمل الجماعي، وعمل الفريق.
  • إشباع حاجات المتعلمين، وزيادة الإحساس بالرضا لدى جميع العاملين بالجامعة .
  • تحسين سمعة الجامعة في نظر العاملين والطلبة، وتنمية روح التنافس بين الجامعات الرسمية والخاصة.
  • تحقيق جودة الطلبة سواء في الجوانب المعرفية، أو المهارية، أو الأخلاقية .
  • بناء الثقة بين العاملين ككل ، وتقوية انتمائهم لها من خلال الحوافز والامتيازات .
  • توفير المعلومات ووضوحها لدى جميع العاملين في الجامعات.
  • تحقيق الترابط الجيد والاتصال الفعال بين الأقسام والوحدات المختلفة في الجامعات الرسمية والخاصة.
  • الإسهام في حل كثير من المشكلات، التي تعيق العملية التعليمية بالجامعة، والتعرف المستمر على أسبابها.
  • تنمية العديد من المهارات لدى العاملين، مثل مهارة حل المشكلة وغيرها، وبناء الثقة بالنفس
  • تحقيق المراقبة الجيدة والمستمرة للعمل.
  • تحقيق مكاسب مادية اكثر للأفراد في سوق العمل، من أجل تحقيق الرضا، مما يعكس زيادة في إنتاجية الفرد بسبب مخرجاته القوية من الجامعة
  • وتتمثل أهم التوصيات لتحقيق المواءمة بين مخرحات الجامعات وسوق العمل في الدول العربية فيما يلي :
  1. تصميم البرامج التعليمية والمناهج الدراسية ، واختيار الأساليب التعليمة في الجامعات الرسمية والخاصة في ضوء دراسة احتياجات، ومتطلبات سوق العمل، من حيث الأعداد المطلوبة، والمواصفات المتوقعة في المتعلمين ، ومتابعة التغير الذي يحدث في هذه التوقعات من آن لآخر، في كل دولة عربية.
  2. التركيز على التقييم والتحسين المستمر، بمعنى أن يكون على مستوى الجامعة جهاز متخصص وعلى مستوى عالٍ من الكفاءة العلمية والعملية، من خلال وجود معايير واضحة للتقييم
  3. أن تتولى جهة متخصصة مهمة القياس والتقييم المستمر لجودة البرامج التعليمية ، وتعمل على تحديث تلك البرامج وتطويرها بالشكل الذي يتناسب مع احتياجات سوق العمل من جهة ، ومع التطورات العالمية والتكنولوجية من جهة أخرى .
  4. ضرورة التخطيط العلمي لتوفير أعضاء هيئة تدريس ذات كفاءة عالية، لمواجهة زيادة الطلب على التعليم.
  5. ضرورة الاهتمام بجودة طرق التدريس ووسائل التقويم، التي يجب أن تكون أولويتها دائماً العمل على تحقيق التحسن المستمر في عمليتي التعليم والتعلم الموجه، لتحقيق التحسن في قدرات الطلاب ومهاراتهم باستمرار لصالح الطلبة وسمعة الجامعة.
  6. ضرورة بذل كل الجهود الممكنة لتنفيذ برامج تدريبية لكل موظفي الجامعة، تشمل مفاهيم إدارة الجودة الشاملة وأساليبها . وكذلك تشجيعهم لمواصلة تحصيلهم العلمي ، وتدريب أعضاء هيئة التدريس الجدد باستمرار في برامج لتنمية قدراتهم التعليمية، وتحسين أدائهم.
  7. ضرورة قيام الجامعة بإجراء تقييم دوري لأعمالها ، سواء الأكاديمية، أو الإدارية، لاكتشاف الأخطاء ومعالجتها معالجة علمية ومنطقية.
  8. التعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص في استيعاب الخريجين من الجامعات.

لا تتحقق التنمية المستدامة في أي دولة إلا من خلال التركيز على ضمان جودة التعليم بفروعه المختلفة،   وهو الأساس في تحقيق التقدم والرقي للمجتمعات البشرية في شتى القطاعات والمجالات.

نعم إن فرصة كل خريج من الجامعات في كل دولة عربيه لا تكتمل إلا بتحقيق طموحاته وأهدافة في الحصول على فرصة عمل في السوق المحلي، تتناسب مع تخصصه وقدراته العلمية، وبما سوف يخدم المصلحة العامة، وللتخفيف من مستوى معدل البطالة. فلا بد من تبني التخطيط السليم في التعليم العالي، من خلال طرح التخصصات المختلفة، وحاجات سوق العمل، لأن عدم مواءمة بعض التخصصات القائمة مع سوق العمل، يتطلب من الخريجين أن يركزوا على التدريب العملي الميداني، واستخدام التكنولوجيا المتاحة والمناسبة للقطاعات المختلفة ،لدعم شهادته العلمية الجامعية.

وفي الختام، لتحقيق كل ما ذكر سابقاً، هل هناك بالفعل إرادة صادقة وجادة ومخلصة على المستويات كافة ، في سائر القطاعات والمجالات في الدول العربية ،أم لا؟  فالمشكله في وطننا العربي هي أننا يجب أن نعرف ما نريد، وكيف نصل إلى ما نريد؟

 

 

Related posts

رسالة ماجستير تكشف محدودية التحليل والإستشراف في معالجة الصحافة الأردنية لتبعات كورونا الاقتصادية

admin user

حقائق جوهرية حول واقع الإسلام والإرهاب الدولي والنظام الاقتصادي في الاسلام

أزمة التعليم العربي  : منح الشهادة أم  بناء الشخصية؟

اترك تعليقا

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com